الحاج حسين الشاكري

465

علي في الكتاب والسنة والأدب

ولا ندهش حين نعلم أنه على عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان وحده الحافظ للقرآن العارف به ، المحيط بأسراره . ثم لا ندهش ونحن نراه أول من اشتغل بجمعه . اشتغل علي بحفظ كتاب الله اشتغال من يحرص الحرص كله على هذا النور الذي أنزله ربه هدى ورحمة للعالمين ، أن تشرد منه عبارة ، بل لفظة ، بل إشارة . وعنى بجمعه عناية من يخشى أن تتبعثر بعض آياته وسوره في الصدور على غير نسقها المقدور ، فتختلط وتتداخل ، يتأخر منها ما هو أولى بالتقديم ويتقدم ما هو أولى بالتأخير . وأكب على الترسل في قراءته ترسل ذي حس أدبي مرهف بلا نظير ، تفتنه البلاغة ، وتشغفه الفصاحة ، ويولع ولوع متشه سحر بيانه ، يتطرق فيه من تذوق حلاوة المتعة العاطفية الشعورية من جمال عباراته إلى التنعم بكمال المتعة الروحية العقلية من جلال معانيه . فماذا عسى يتهيأ اجتناؤه للناس من ثمار هذا الاستيعاب ؟ ما الذي يمكن أن يطالعهم به من له كالإمام وضاءة النفس ، ودقة الحس ، وشمول النظرة ، وتفتح القريحة ، وألمعية الفكر ، ونقاوة الجنان ؟ إنه ليخلو إلى القرآن خلو خاشع متعبد ، سجي الليل ، أو هدأ السحر ، أو أسفر الفجر ، أو علت ضحوة النهار فلا يكاد يشغله في خلوته هذه ، التي يرجو بها وجه ربه شئ من شواغل دنياه أن يرتل ويعيد ، ويردد ويزيد ، وجوارحه جميعها في ملاك بيانه العذب الآسر ، وأسلوبه السماوي الساحر . وإنه ليقبل عليه إقبال متأمل متدبر ، يأخذ بمجامع المدلولات في سياق العبارات وفي مباني الكلمات وفيهن الجلي والخفي . والصريح والغيبي ، فلا يفوته أن يحيط بظاهرها وباطنها إحاطة شمول . . ويتبصر مختلف عظائم السور وجلائل